الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

275

تفسير روح البيان

وعصمته اى لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من اللّه تعالى إِنَّ النَّفْسَ اللام للجنس اى جميع النفوس التي من جملتها نفسي في حد ذاتها لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ تأمر بالقبائح والمعاصي لأنها أشد استلذاذا بالباطل والشهوات وأميل إلى أنواع المنكرات ولولا ذلك لما صارت نفوس أكثر الخلق مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة وما صدرت منها الشرور أكثر ومن هاهنا وجب القول بان كل من كان أو فر عقلا وأجل قدرا عند اللّه كان ابصر بعيوب نفسه ومن كان ابصر بعيوبها كان أعظم اتهاما لنفسه وأقل إعجابا إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك ومن جملتها نفسي ونفوس سائر الأنبياء ونفوس الملائكة اما الملائكة فإنه لم تركب فيهم الشهوة واما الأنبياء فهم وان ركبت هي فيهم لكنهم محفوظون بتأييد اللّه تعالى معصومون فما موصولة بمعنى من . وفيه إشارة إلى أن النفس من حيث هي كالبهائم والاستثناء من النفس أو من الضمير المستتر في امارة كأنه قيل إن النفس لامارة بالسوء الا نفسا رحمها ربى فإنها لا تأمر بالسوء أو بمعنى الوقت اى هي امارة بالسوء في كل وقت الا وقت رحمة ربى وعصمته لها ودل على عموم الأوقات صيغة المبالغة في امارة يقال في اللغة أمرت النفس بشئ فهي آمرة وإذا أكثرت الأمر فهي امارة إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ عظيم المغفرة لما يعترى النفوس بموجب طباعها رَحِيمٌ مبالغ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك قال في التأويلات النجمية خلقت النفس على جبلة الامارية بالسوء طبعا حين خليت إلى طبعها لا يأتي منها الا الشر ولا تأمر الا بالسوء ولكن إذا رحمها ربها ونظر إليها بنظر العناية يقلبها من طبعها ويبدل صفاتها ويجعل اماريتها مبدلة بالمأمورية وشريرتها بالخيرية فإذا تنفس صبح الهداية في ليلة البشرية وأضاء أفق سماء القلب صارت النفس لوامة تلوم نفسها على سوء فعلها وندمت على ما صدر عنها من الامارية بالسوء فيتوب اللّه عليها فان الندم توبة وإذا طلعت شمس العناية من أفق الهداية صارت النفس ملهمة إذ هي تنورت بأنوار شمس العناية فألهمها نورها فجورها وتقواها وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية وأشرقت الأرض بنور ربها صارت النفس مطمئنة مستعدة لخطاب ربها بجذبة ارجعي إلى ربك راضية مرضية انتهى يقول الفقير سلوك الأنبياء عليهم السلام وان كان من النفس المطمئنة إلى الراضية والمرضية والصافية الا ان طبع النفوس مطلقا اى سواء كانت نفوس الأنبياء أو غيرهم على الامارية وكون طبعها عليها لا يوجب ظهور آثار الامارة بالنسبة إلى الأنبياء ولذا لم يقل يوسف عليه السلام ان نفسي لامارة بالسوء بعد ما قال وما أبرئ نفسي بل اطلق القول في الامارية واستثنى النفوس المعصومة فلو لا العصمة لوقع من النفس ما وقع ولذا قال عليه السلام ( رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ) فالدليل على امارية مطلق النفوس هذه الآية وقد قال ابن الشيخ في هذه السورة عند قوله تعالى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يحتمل ان يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الامارية بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها انتهى فاثبت الامارية لنفس يوسف وقال سعدى المفتى عند قوله تعالى أَصْبُ إِلَيْهِنَّ في هذه السورة أيضا